التكنو-غيبوبة
في زمنٍ تحولت خلالهُ جُملةٌ من أحلام البشر إلى واقعٍ ملموس، ماءٌ نظيف، عيشٌ كريم، السلام أصبح روتينًا أخيرًا، توقف الأطفال عن الموت جوعًا، وآخر حالة مَرضية بالسرطان عامةً سجلت منذ خمس سنوات، لم يعد الناس يمرضون ويموتون، صارت حفلات الشاي مليئة بالأجداد، توقفت المصحّات عن صرف محفزات الدوبامين، توقفت المصحات عن العمل أصلا، صارت الجيوب الفارغة والأقداح الجافة وخزائن الملابس الخاوية ضرب أسطورة يقصها عليك جدك الثاني عشر عن رواية رواها والدهُ، باتت الأرض مطرزة بالشوارع المُعبدة، وكتيت القدور أصبح لحنًا شعبيًا، بات الكوكايين مادة لصنفرة ناطحات السحاب، وتوقف الجميع عن لعق أصابعهم بعد الأكل، المنبهات أصبحت قسم من أكثر أقسام المتحف أثرية، ونطق الحروفِ ظهر كموهبة عندما اعتاد الجميع التخاطر وقراءة الأفكار بعد تطويع المخ بشريحة إلكترونية، الهواء يباع في القنانِ، والأشجار ترى في اللوحات الفنية، أصبحت الروايات تكتب على الجدران كفنون الشارع، أصبحت الطموح خرق للقانون، والاختلاف جريمة رسمية، أصبحت قصتك أمر معروفًا تكتب على راحت يدك منذ ولادتك، توقف الانفجار السكانيّ فجأةً، لم يمت الناس، لكنهم كان يختفون على حين غرةٍ، ينساهم الجميع وتطوى صفحتهم، لم يتوقف إنجاب الأطفال، ولكنهم كانوا يولدون على عتبة الباب مع الرسائل مزرقة الأظرف وفواتير الكهرباء التي يدفعها "جي إف-17" رئيس الخدم الآليين، صار حليب الأبقار المعصور ذهبيًا؛ لأن العشب توقف عن النمو وباتت تقتات من مخلفات البشر، توقف الأطفال عن التعلم، عن التنزه، عن الاستيقاظ صباحًا، توقفوا عن الاستيقاظ بشكل عام وأصبحوا قوتًا لحيوانات ذويهم الأليفة، أصبحت النمور تتجول وتنحني لبني البشر، وإطارات الصور والتحف الموروثة أصبحت محض خردة، توقف العالم عن كونهِ أخضرًا، أمسى قاتمًا بلون التراب الدامي.
كل هذا بدأ عندما توقفت الأمهات عن تقبيل جبين أطفالها، عندما بدأ الآباء بالمبيت في مراكز وظائفهم، عندما كذّبَ الإنسان اجتماعيتهُ، عندما حلّ الذكاءُ الاصطناعيُّ محل كل شيءٍ إلا محلهُ الصحيح.
جنان أيمن
تعليقات
إرسال تعليق